السيد محمد بيرم الخامس التونسي

110

صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار

ملايين مسلمون ، والباقي من مذاهب شتى من الديانة المسيحية وغيرها والدولة على المذهب الأرتيدوكس ، وهي وإن لم تجبر غير أهل ذلك المذهب على تبديل ديانتهم أو مذهبهم ، غير أنها تمنعهم من حرية المذهب وإشهار تعاليمه ، بل تجبرهم على تعليم أبنائهم في مكاتبها وتجبرهم أيضا على ترك لغاتهم ، ولا يخفى أن أهل مملكة مثل تلك في الإتساع وكثرة الأجناس لا بد أن يكون لهم لغات شتى ، حتى قيل إن اللغات الأصلية فيهم تتجاوز الخمس عشرة لغة . وهاته الدولة تكونت على الصفة المار ذكرها في مدّة قليلة ، فإن هاته المملكة كانت قديما لا يعرف منها إلا أهل الجنوب باسم قبائل إلى القرن الثالث المسيحي ، فتألفت في روسية وأوروبا سلطنة عظيمة من أمة الغوت ، ثم تلاشت بالحروب الأهلية وبهجمات الأمم الشرقية على أوروبا وتمادت على ذلك ، إلى أن استولى على أغلبها التتر في مدّة « باتوخان ابن جنكز خان » ، ثم ابتدأ تأسيس المملكة سنة 1481 م - 886 ه على يد إيغان الملقب بالأمير الكبير ، وخضعت له ولذريته القبائل المتكونة منها روسية الأصلية ثم انقطعت عائلته . وحدث في المملكة تقهقر أشرف بها على الاضمحلال ، إلى أن تولاها « ميشال رومانوف » « 1 » . وهو الذي أسس الدولة الموجودة الآن وذلك سنة 1613 م - 1032 ه . فأخذت في الراحة الأهلية وضم ما كان خرج عنها إلى أن تولاها بطرس الأكبر محيي تلك الدولة فهو الذي أسس اسمها بين الدول المعتبرة واجتهد في ترقيتها ، وكان مع مزيد اعتنائه بالسياسة ومباشرتها بنفسه تحمل أتعاب السفر الشاق في ذلك الوقت لتعلم الصنائع بنفسه حثا لأمّته على الاقتداء به ، وبقي مدّة في ترسخانة هلاندة لتعلم صناعة النجارة حتى أتقن تعلمها وجلب للمملكة معلمين من عدّة صنائع ، وأخذت من ذلك الوقت في الترقي والإتساع مع خرمه هو ومن خلفه ، ومهارتهم في الفنون الحربية والمكايد السياسية إلى أن بلغت الآن إلى ما هي عليه من مزيد القوة والإتساع ، ولو أنها كانت في المعارف والحرية مثل بقية ممالك أوروبا لما كادت أن تسلم منها دولة ، بيد أن بقاءها على أصول الاستبداد أوجب فيها قلة الثروة والمعارف ، فلم تقدر على إنجاز كل ما تضمره وإن كان القيصر الموجود الآن وهو الإسكندر الثاني قد حرر الفلاحين من تملك الأعيان لهم ، حيث كان سابقا إن قسم الأعيان من المملكة من ملك منهم أرضا يملكها بمن فيها من البشر ويستعملهم استعمال العبيد بحيث يتصرف فيهم تصرفه في المتاع ، كما كانت تلك العادة جارية في أوروبا حتى أن الفلاح إذا أراد التزوّج بعد الإذن له من سيده ، يأتي بعروسه ليلة عرسه إلى سيده ولا يمكن له أن يدخل بها قبل أن يبارك له عليها سيده ، وإن أراد الإختلاء بها فله حق ذلك وقس على ذلك من أنواع الشناعة ما شئت ، ففي سنة 1867 م - 1284

--> ( 1 ) آل رومانوف : Romanov هي الأسرة المالكة في روسيا من ( 613 - 1917 ) أولهم القيصر ميخائيل وآخرهم القيصر نيقولا الثاني . المنجد ( 314 ) .